syria-medialab.com

by Baraa Hajjo

بعد عام على سقوط الأسد… أين وصل ملف الكهرباء في سوريا؟

بعد 15 عاما من الحرب وما تلاها من دمار هائل في البنى التحتية، يدخل قطاع الكهرباء في سوريا مرحلة جديدة منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل عام، وسط تحديات ضخمة ومحاولات حكومية لإعادة بناء شبكة تُعدّ من الأكثر تضرراً في الشرق الأوسط وبين الوعود الرسمية، والمشاريع الدولية، وصدمة ارتفاع الأسعار، يبقى السوريون بين أمل التحسن وواقع الانقطاعات الطويلة.

حرب طويلة… وبنية تحتية منهارة

شهد قطاع الكهرباء السوري انهياراً تدريجياً منذ عام 2011، حيث ألحقت سنوات الاشتباكات المتواصلة دماراً واسعاً بمحطات التوليد وخطوط التوتر العالي وأبراج النقل. مناطق بأكملها  مثل دير الزور وشرق حلب والغوطة وحمص القديمة  فقدت شبكتها بالكامل، ما جعل إصلاحها لاحقا مهمة معقدة ومكلفة.ولم يقتصر الضرر على القصف العسكري، بل امتد ليشمل سرقة الكابلات والمحولات والأبراج على نطاق واسع، إذ تسببت الفوضى وانعدام الأمن في تفكيك آلاف الأمتار من الخطوط لبيع النحاس والحديد، ما زاد حجم الخسائر وأطال سنوات المعاناة.

“العقاب بالكهرباء  ” سنوات من الانقطاع المقصود

في السنوات الأخيرة من الحرب، تحولت الكهرباء إلى أداة ضغط استخدمها النظام السابق، إذ عانت مناطق واسعة من حرمان شبه كامل من التغذية الكهربائية، بينما حصلت مناطق محددة على ساعات قليلة لا تتجاوز ساعة أو ساعتين يوميا.
نتيجة ذلك، اضطر السكان للاعتماد على:

المولدات الصناعية الخاصة (الأمبيرات) بتكاليف مرهقة 

الطاقة الشمسية التي انتشرت في الأحياء السكنية رغم ارتفاع تكلفتها، لتوفير الحد الأدنى من الإنارة والاتصالات

هذا الواقع جعل الكهرباء “رفاهية”، وخلق فجوة كبيرة بين المناطق المحظوظة والمحرومة

عام على التحرير… بداية إصلاح الشبكة

بعد سقوط الأسد، باشرت الحكومة الجديدة سلسلة خطوات لإعادة تأهيل البنية التحتية، تتضمن:

  • إصلاح واستبدال مئات المحولات المحترقة
  • إعادة بناء بعض أبراج التوتر العالي
  • إدخال خطوط غاز جديدة لتشغيل المحطات المتوقفة
  • توقيع عقود دولية مع شركات من قطر وتركيا وأوروبا

هذه الجهود انعكست على بعض المدن التي شهدت تحسناً تدريجياً، إذ ارتفعت ساعات التغذية إلى ما بين 8 ساعات و24 ساعة يومياً وفق طبيعة كل منطقة

لكن على الضفة الأخرى، ما تزال مناطق شديدة التضرر  أبرزها شرق حلب  بدون كهرباء حتى اليوم، نظراً لغياب الكابلات والأبراج وارتفاع كلفة إعادة التأهيل.

رفع التعرفة… القرار الأكثر صدمة

في واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل، أصدرت الحكومة السورية قراراً يقضي برفع التعرفة الكهربائية المنزلية والصناعية والتجارية تحت شعار “إصلاح دعم الطاقة. ما أحدث موجة غضب  في الشارع السوري، حيث اعتبر كثيرون القرار مجحفاً في ظل أوضاع معيشية خانقة 

تفاصيل القرار الرسمي

قسّمت وزارة الطاقة الاستهلاك المنزلي إلى شريحتين:

حتى 300 كيلوواط بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط

فوق 300 كيلوواط بسعر 1400 ليرة

أما التعرفة الجديدة للقطاعات الأخرى:

المؤسسات الحكومية: 1700 ليرة للكيلوواط

المعامل الكبيرة: 1800 ليرة للكيلوواط

هذا الارتفاع غير المسبوق شكل عبئاً إضافياً على الأسر، خصوصا أن ساعات الكهرباء ما تزال غير مستقرة في العديد من المحافظات

تبريرات الحكومة… واحتجاج الصناعيين

بررت وزارة الطاقة عبر منشورات رسمية في “فيس بوك” أن القرار “ضروري بسبب حجم الخسائر” وأن استمرار الخدمة يتطلب “إعادة تسعيرة عادلة”.
وقال وزير الطاقة محمد البشير إن الأسعار الجديدة “تناسب ذوي الدخل المحدود”، داعيا المواطنين إلى تحمل جزء من مسؤولية نهضة الوطن

لكن هذه التبريرات لم تمنع موجة احتجاجات واسعة، امتدت إلى القطاع الصناعي. إذ حذّر أصحاب معامل من أن التعرفة الجديدة تهدد بإغلاق عشرات المصانع، خصوصا أن العديد منها يعمل أصلا بنصف طاقته الإنتاجية ويعتمد على مولدات خاصة مكلفة

مشروعات دعم الكهرباء… استثمارات بـ7 مليارات دولار

في أيار/مايو 2025، أعلنت الحكومة السورية توقيع مذكرة تفاهم كبرى مع ائتلاف تقوده شركة أورباكون القطرية، بقيمة 7 مليارات دولار، وهي الأكبر منذ اندلاع النزاع

المشروع يشمل

  • إنشاء 4 محطات غازية بقدرة 4000 ميغاواط في:
    دير الزور – محردة – زيزون – تريفاوي
  • محطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في جنوب البلاد

ومن المفترض تنفيذ المحطات الغازية خلال 3.5 سنوات، والمحطة الشمسية خلال 20 شهراً، لكن التنفيذ مرتبط بإعادة تأهيل شبكة النقل المتضررةوفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقعت وزارة الطاقة الاتفاقيات النهائية مع الائتلاف، إيذاناً ببدء التنفيذ الفعلي للمشروعات

اتفاقيات الطاقة مع تركيا

وفي خطوة أخرى لتعزيز قدرات التوليد، أعلنت سوريا إبرام اتفاق مع تركيا لتوريد

1000 ميغاواط من الكهرباء

و6 ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا

لكن هذه الخطوط لم تدخل الخدمة حتى وقت إعداد هذا التقرير، لأسباب فنية وإدارية لم تُعلن تفاصيلها كاملة.

الغاز الأذربيجاني… دفعة جديدة لمحطات التوليد

في الأول من آب/أغسطس 2025، بدأت أذربيجان رسمياً تصدير الغاز الطبيعي إلى سوريا، بعد تشغيل خط الأنابيب الذي يربط مدينة كيليس التركية بشمال سوريا.
الاتفاق الثلاثي (أذربيجان – تركيا – سوريا) ينص على تزويد دمشق بنحو

1.2 مليار متر مكعب سنويًا

بمتوسط 3.4 ملايين متر مكعب يوميًا

يُضخ مباشرة إلى محطتي حلب وحمص، ما يُتوقع أن يرفع إنتاج الكهرباء بين 1200 و1300 ميغاواط

هذه الزيادة تشكّل دعماً مهماً لشبكة تعاني نقصا حادا منذ أكثر من عقد

تحديات البنية التحتية… تكلفة مرعبة

رغم المشاريع الجديدة، ما يزال الطريق طويلا أمام تعافي قطاع الكهرباء. إذ تُقدّر تكلفة إعادة تأهيل الشبكة بأكثر من 40 مليار دولار، وهو رقم ضخم لحكومة ما تزال تعاني من محدودية الموارد

وتشير البيانات الرسمية إلى أن ثلثي شبكة الكهرباء في سوريا بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو إصلاحات جذرية، بما يشمل خطوط التوتر العالي ومحطات التحويل التي تعرضت لسرقة ونهب وأضرار جسيم

كما تواجه وزارة الطاقة نقصاً في الكوادر المؤهلة بعد هجرة واسعة للمهندسين والتقنيين خلال سنوات الحرب

الخلاصة: تحسن نسبي… وطريق طويل نحو الاستقرار

بعد عام على سقوط الأسد، يمكن القول إن ملف الكهرباء يشهد تحسناً جزئيا في بعض المناطق، بفضل الاستثمارات الدولية وبدء مشاريع الغاز والطاقة المتجددة. لكن في المقابل، يظل الطريق إلى استقرار حقيقي طويلا وصعبا، وسط شبكة مدمرة، وفاتورة كهرباء مرتفعة، وفوارق كبيرة في ساعات التغذية بين منطقة وأخرى

التحسن موجود… لكنه غير كاف. والمواطن السوري ما يزال ينتظر يوما تعود فيه الكهرباء خدمة أساسية، لا امتيازا مكلفا يدفع ثمنه مرتين: مرة بفعل الحرب، ومرة بفعل الفاتورة.