syria-medialab.com

by Aliya Mohammad

التضليل الإعلامي: صناعة كراهية في زمن الأزمات

 

“لم أعد أثق بالإعلام السوري، للأسف، أرى اليوم، بحسب متابعتي، أن التضليل حاضر في معظم الوسائل الإعلامية. بعض الصحفيين والصحفيات يمارسون العنصرية والانحياز لطرف ما، ولا ينقلون الحدث كما هو في الواقع.” هكذا تصف الأربعينية عهد الحمصي، المقيمة في مدينة قامشلي، واقع الإعلام السوري وما تتابعه من أخبار مضللة على مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً.

توضح عهد أنها كثيراً ما شاهدت صوراً ومقاطع مصوّرة تعود إلى أحداث وأماكن مختلفة، تُستخدم في سياق أحداث أخرى لا تمتّ لها بصلة، وترى أن التضليل الإعلامي ينعكس سلباً على التعاون والانسجام بين مختلف المجتمعات الموجودة في سوريا من كرد وعرب وسريان وغيرهم. وتشير إلى أن غياب التنوع والتركيز على “لون واحد” لدى بعض وسائل الإعلام يعزز خطاب الكراهية. تقول:

“بعض الأهالي يضعون ثقة مطلقة بهذه الوسائل، لذلك يعتقدون أن كل ما تنشره صحيح. فعلى سبيل المثال، عندما يُنشر خبر تحريضي عن أيٍّ من المجتمعات السورية، سيُنظر إليه كخبر حقيقي حتى لو كان بعيداً عن الواقع”.

توضح الصحفية لما راجح، عضوة المكتب التنفيذي في “رابطة الصحفيين السوريين”، أن بعض المؤسسات الإعلامية تتبنى التضليل من خلال التركيز المفرط على حقائق معيّنة أو إخفاء أخرى، أو عبر مواكبة موجات “الترند”، أو تكثيف نشر الأخبار السلبية ضد فئات اجتماعية محددة. وتضيف:

“الأزمات ومشاعر الخوف تزيد من انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة. نحن نعيش اليوم حالة فوضى إعلامية”.

وترى لما أن هذه الفوضى تؤدي حكماً إلى تضليل متزايد، موضحةً أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بمواجهة التضليل لا تبنّيه، لكن بعضُها يفعل ذلك بشكل مباشر عبر نشر أخبار كاذبة، أو غير مباشر عبر تجاهل الأخبار المضللة أو تمرير خطاب تمييزي ضد مجموعات معينة من خلال الضيوف أو نوعية التغطيات.

وبحسب تقرير صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن التضليل الإعلامي هو المعلومات المغلوطة التي تُنشر عمداً لإحداث ضرر اجتماعي جسيم. ويشير التقرير إلى أن التضليل قد يتضمن تعصباً وخطاب كراهية موجهاً ضد الأقليات والنساء والفئات الموصوفة بأنها “الآخر”. ولا يقف تأثير التضليل عند الأفراد المستهدفين/ات، بل يمتد ليهدد الإدماج والتماسك المجتمعي، ويزيد التوترات والانقسامات خلال الأزمات السياسية، إضافة إلى تأثيره على منظومة حقوق الإنسان.

هل ساهم التضليل الإعلامي في نشر خطاب الكراهية؟

في مدينة قامشلي، يرى الشاب العشريني موريس (اسم مستعار) أن التضليل الإعلامي بات واسع الانتشار في وقت يُفترض فيه أن يعمل الإعلام بمهنية وشفافية. ويؤكد أن ابتعاد العاملين/ات في المجال عن هدف المهنة الأساسي -نقل الحقيقة كما هي- إضافة إلى انتشار الشائعات، يعززان الشرخ بين مكونات المجتمع.

ويتابع: “عند انتشار أي خبر يتم تداوله بكثرة على مواقع التواصل، أتابع التعليقات، وللأسف أرى الكثير من الهجوم على الأديان والقوميات والانتماءات المختلفة. كثيراً ما أسأل نفسي: كيف وصلنا إلى هنا؟ فنحن جميعاً سوريون”.

من جهته، يرى الصحفي حمزة همكي، مدير شبكة True Platform لتدقيق المعلومات أن بعض الوسائل الإعلامية تلاحق الأخبار العاجلة بحثاً عن السبق الصحفي دون التأكد من صحتها، خاصة تلك المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن التضليل قد يكون أحياناً نتيجة أخطاء تحريرية داخل المؤسسات.

ويضيف حمزة: “تعج مواقع التواصل في سوريا بالأخبار المضللة. كما أن الانقسام بين الإعلام الرسمي والتابع لجهات نافذة، إضافة إلى وسائل مستقلة، يجعل من الصعب على الناس التمييز بين الحقائق والشائعات، ويساهم غالباً في تصاعد خطاب الكراهية والتحريض المتبادل”.

وفي ندوة إقليمية افتراضية عقدتها اليونسكو في 9 كانون الأول، أكد توفيق الجلاصي، المدير العام المساعد لقطاع الاتصال والمعلومات، أن المعلومات المضللة عبر الإنترنت قد تخلق تفاوتات جديدة وتفاقم القائمة، وتعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقد تؤثر على الصحة العامة، والرفاه، والمساواة بين الجنسين والعرقية، وكذلك على الحكم الديمقراطي وصون السلام والأمن.

وتقول عهد إن مهنة الإعلام اليوم متاحة للجميع، مما سهّل نشر الشائعات والمعلومات الكاذبة، وأدى إلى فقدان الثقة بالوسائل الإعلامية. وتتابع:

“قبل سنوات، كنت أتعاون مع كل من يطلب مقابلة، أما اليوم فأرفض تماماً”.

وتشير لما إلى أن “قانون الإعلام الصادر عام 2012 تم تعطيله حالياً، وبالتالي لا توجد قوانين إعلامية نافذة في سوريا. ووزارة الإعلام تعمل حالياً على إصدار مدونة سلوك وقانون جديد للإعلام والنشر.”

أين يكمن الحل؟

يوضح موريس أن نقل الأخبار المضللة قد يؤدي إلى تهويل الأحداث، ما ينعكس سلباً على المجتمع لأنه يخلق توتراً ويعمّق الفجوة بين الأفراد، ويعزز خطاب الكراهية والتمييز الديني والعرقي والقومي.

وتقول لما: “اليوم لا توجد حيادية. فكل مؤسسة إعلامية تتبع أجندة معينة، والجمهور بدوره ينحاز إلى ما يناسبه. وبطبيعة الحال، لا يوجد إعلام حيادي بشكل كامل ولا جمهور حيادي.”

ويرى موريس أن الوعي في التعامل مع الأخبار والتأكد من مصادرها يمكن أن يجنب الأفراد الوقوع في فخ التحريض، فيما تؤكد عهد أهمية دور كل شخص في توعية محيطه حول الأخبار التحريضية والملفقة.

أما إياد (اسم مستعار) من إدلب، والذي عاش سنوات متنقلاً بين المحافظات السورية، فيرى أن التجارب الشخصية والتعرف على الآخرين عن قرب يشكلان رادعاً ضد تبني خطاب الكراهية. ويقول: “عندما أرى خبراً طائفياً أو تحريضياً لا أتأثر، لأنني عشت في معظم المحافظات السورية وعرفت الناس عن قرب.” ويكمل: “مثلاً، لا أستطيع تصديق خبر تحريضي ضد أهل الساحل وأنا الذي عشت بينهم ست سنوات، برأيي، من يتأثرون هم أصحاب الثقافة الضعيفة — وليس القصد التحصيل العلمي — بل فهم الحياة، وغالباً يتبنون آراء جاهزة يسمعونها أو يرونها على مواقع التواصل أو التلفزيون.”

ويشير حمزة إلى أن تبني سياسات واضحة للتحقق من الأخبار داخل المؤسسات الإعلامية خطوة أساسية للحد من التضليل. ويقول: “نركز في True Platform على التحقق اليومي من الأخبار، ونصنّفها حسب مستوى التضليل والخطر المحتمل، ونستخدم أدوات تقنية تساعدنا على كشف الأخبار الزائفة بسرعة، ونسعى أيضاً لتوعية الجمهور حول كيفية التحقق من الأخبار بنفسه.”

ويضيف: “من الصعب إجراء إحصاءات دقيقة حول حجم الأخبار المضللة، لأنه لا يمكن تغطيتها كلها، لكن يمكن القول بثقة إن حجمها كبير للغاية، وسرعة انتشارها تتطلب متابعة مستمرة، ومع أننا لا نستطيع تغطية كل شيء، نحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة تساعد الصحفيين والجمهور على اتخاذ قرارات مبنية على الحقائق”.

وتؤكد لما أن السياسات الإعلامية يجب أن تستند إلى مواثيق الشرف الإعلامي. فكل مؤسسة إعلامية يفترض أن تمتلك سياسة واضحة تحدد كيفية التعامل مع الفئات الاجتماعية، وكيفية إشراك أصواتها، وتخصيص مساحات لها ضمن التغطية الإعلامية.

وتوضح: “خطاب الكراهية ينبع من الأوصاف والتهميش واستخدام الألفاظ التمييزية. لذا يجب أن توجد سياسات تمنع هذا الخطاب، وحتى إن صدر على لسان الضيوف أو المصادر، ينبغي أن تكون هناك آلية للتعامل معه، سواء عبر أسئلة المتابعة أو عبر توضيح المؤسسة أنها لا تتبنى هذا الخطاب.”

وتخلص لما إلى أن مهام التدقيق، واتباع خطاب مسؤول، والتحقق من الأخبار قبل نشرها، هي “مسؤوليات جماعية يجب الالتزام بها كي لا نساهم في نشر خطاب الكراهية الذي يهدد السلم الأهلي، خصوصاً مع تسارع تدفق المعلومات عبر الإعلام ووسائل التواصل.”وفي دراسة بحثية لشبكة الصحفيات السوريات حول مواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، صدرت مجموعة توصيات دعت فيها وسائل الإعلام والصحفيين والصحفيات إلى الانتباه لمسؤوليتهم/نّ الأخلاقية في تجنب التحريض ضد أي فئة، ومتابعة تطورات الأخبار بدلاً من الاكتفاء بالترند، إضافة إلى التعمق في تناول الأخبار من خلال مقالات فكرية وبحثية توضح أثر المعلومات المتداولة على الواقع.