syria-medialab.com

by Manar Abou Hassoun

العنف الرقمي بعد سقوط الأسد: كيف تلوذ النساء بالصمت؟

شهادات صحفيات وناشطات عن حملات تشهير وتهديد منظّم يقلّص حضور النساء في الفضاءين العام والافتراضي

عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، توقّعت كثير من السوريات أن يفتح التحوّل السياسي باباً أوسع للمشاركة في الفضاء العام، وأن يتحوّل ما اكتسبته خلال سنوات الثورة من حضور ونشاط إلى تمثيل أعمق في المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والفضاءات الإعلامية.

لكن ما حدث على الأرض كان أكثر التباساً، فمع الوقت، وجدت ناشطات وصحفيات سوريات أنفسهنّ في مواجهة موجات متكرّرة من العنف الرقمي، تهديدات وشتائم وحملات تشهير منظّمة، رافقت أحداثاً مفصلية وقضايا شغلت الرأي العام، وأثرت على عملهنّ الصحفي وعلى مشاركتهن في الفضاء الافتراضي على حدّ سواء.

تهديد بالقتل وتخوين طائفي 

“هددوني بالتشهير والقتل، كما اتهمت بالخيانة لطائفتي ومنطقتي” تقول الناشطة سمر (اسم مستعار) من درعا جنوب سوريا، وهي تتحدث عن العنف الرقمي الذي تعرضت له عقب إبداء موقفها عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول أحداث العنف والمجازر التي وقعت ضد المدنيين في الساحل السوري ومحافظة السويداء.

وتضيف سمر: “تعرضت لرسائل تهديد بسبب موقفي من المجازر عقب سقوط النظام السابق، وتم تشويه صورتي من خلال منشورات تصفني بأوصاف منافية للآداب وتوجيه شتائم مباشرة ضدي”.

تمسّك سمر بموقفها من الثورة السورية، وبأنّها ثورة لكل السوريين لا حكراً على طائفة أو منطقة، وضعها في قلب حملة عنيفة، إذ جرى تداول لقطات شاشة من حساباتها على منصات مختلفة، وإعادة نشرها مع تحريض صريح ضدّها، تقول: 

“موقف بشع ومرعب في حالة من الفوضى، الكلمة فيها قادرة على إشعال النار”.

هذه الحملة تركت أثرا عميقا على نشاط سمر في الشأن العام. فبعدما كانت تعمل “تحت الأضواء” كما تصف، وجدت نفسها مضطرة للعمل في الخفاء:

كنت أحاول أن أُقدّم نموذجاً إيجابياً في بناء السلام، وأن أعمل علناً لأكون قدوة وأؤثر في غيري. وفعلاً بدأت ألحظ هذا التأثير، لكن بعد ما تعرضت له اضطررت إلى العمل بعيداً عن الأنظار. مررت بعارض صحي مؤلم بسبب شعوري بالإحباط وتدهور حالتي النفسية، وتأثرت علاقتي مع العائلة والأصدقاء لأنني أصبحت دائمة التوتر، وهذا انعكس أيضاً على أسرتي”.

مع ذلك، لم تتراجع سمر عن نشاطها في قضايا السلام والمشاركة العامة، لكنها تفعل ذلك اليوم ضمن هامش أضيق وبحذر أكبر، مستندة إلى دعم عائلتها وزملائها. وتعتقد أن الثورة السورية “أخرجت المرأة من قوقعتها ودورها التقليدي المحدود، وجعلتها أحياناً تقوم بدور الرجل والمرأة معاً”، لكنها ترى أن “هناك اليوم شريحة من الناس تريد فرض منطقها بالقوة حتى تعود المرأة السورية إلى الصمت، وسلاحهم هو التهديد والشتائم”.

وفق تعريف الأمم المتحدة، يشمل العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي التحرش عبر الإنترنت، والملاحقة، والتضليل المبني على النوع، والتزييف العميق، ومشاركة الصور الحميمة دون موافقة، وغيرها من الأشكال التي تتزايد مع تقدم التكنولوجيا.

تشهير منظّم مرتبط بقضية خطف النساء 

بالنسبة لهدى أبو نبوت، ناشطة نسوية وصحفية تعيش في تركيا منذ سنوات، لم يبق العنف الرقمي في حدود التهديد، بل تحول إلى حملة تشهير مستمرة، تقول:

“تعرّضت لتناقل صوري مع شتائم مباشرة وتلفيق تهم متعددة بالتخوين والتعامل مع جهات يُقال أنّها تريد تخريب البلد، في محاولة للتشكيك بالدافع الوطني لعملي او لنشاطي الحقوقي”.

لم يكن العنف الرقمي جديد بالنسبة لهدى فهي منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وهي تواجهه من قبل شخصيات موالية لنظام الأسد عبر رسائل تحمل تهديدات وشتائم، لكن العنف ضدها تطور عقب سقوط النظام لأعمال منظمة من حسابات كبرى وشخصيات لديها آلاف المتابعين ليتلقى حسابها عشرات رسائل التهديد والتشهير منذ عام.

حملة العنف ضد هدى تزامنت مع تبنيها قضية خطف النساء وتركيزها عليها في عملها ومنشوراتها. وترى هدى أن العنف الرقمي ضدها لم يكن فردي أو عشوائي بل هو “عمل منظم ترعاه بعض الشخصيات المقربة من الحكومة السورية الانتقالية لتشويه عمل الناشطات والصحفيات خصوصاً مع إنكار الحكومة لقضايا خطف النساء، واتهام كل شخص يثير هذه القضية بالكذب ومحاولة تشويه عمل الحكومة، الأمر الذي يزيد من حدة العنف ويجعل الحكومة شريك، وسط غياب تام لاتخاذ أي اجراءات تمنع أو تحد من هذه الأعمال فتستمر وتزداد رقعتها”.

رغم تأثر وضع هدى النفسي بالضغوطات والشعور بالتهديد إلا أنها تعاملت مع العنف بالتجاهل، ولم تتخذ أي إجراء قانوني كون العنف موجه من شخصيات بدول متعددة خارج دائرتها.

وفقًا لبيانات البنك الدولي، فإن أقل من 40% من الدول لديها قوانين تحمي النساء من التحرش الإلكتروني أو المطاردة الإلكترونية. وهذا يترك 44% من نساء وفتيات العالم أي 1.8 مليار امرأة دون حماية قانونية.

انسحاب صامت من الفضاء الرقمي

رغم إصرار سارة خازم صحفية سورية من محافظة اللاذقية على نشر موادها باسمها الحقيقي إلا أنها انسحبت من إبداء آرائها السياسية ومشاركة مدوناتها وأعمالها الصحفية عقب سقوط النظام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقول: “أشعر أن الصحفيات السوريات من الأقليات أصبحن معروفات عقب سقوط نظام الأسد ولذلك أصبحت أخاف من نشر أرائي السياسية وموادي الصحفية لأنني شعرت أنني مكشوفة ومهددة أكثر”.

وتؤكد سارة خوفها من حملة ممنهجة ضدها هي بغنى عنها، قائلة: “قبل سقوط النظام كنت أقول من سيقرأ لي ومن سيعرفني، لكن الآن بسبب الموجات الممنهجة التي تحدث تجاه الصحفيات يتم من خلالها نبش مقالاتهن وماضيهن، وخاصة أنا أكتب مدونات شخصية وهي مبنية على تجاربي الحقيقة وتحتوي معلومات شخصية عني ومن خلالها يستطيعون معرفة تفاصيل خاصة والتعمق أكثر بحياتي”.

تكتب سارة تحقيقات وتقارير معمقة ومدونات شخصية مبتعدة عن المواضيع السياسية الحساسة كما أنها تحاشت الخروج بفيديوهات تتحدث خلالها عن واقع محافظتها عقب سقوط النظام رغم حصولها على فرصة، ولكنها تفضل المواد المكتوبة والمواضيع التي لا تعرضها لخطر حقيقي يهددها.

في حين تؤكد أنها لا تشارك آراءها السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي لأنها شعرت أنه بعد سقوط النظام لا فائدة من مشاركة من ذلك، من ناحية أخرى لا تريد “وجع راس” حسب تعبيرها.

“كصحفيات وناشطات نحن ننسحب من الفضاء العام بسبب هذا العنف سواء كانت مشاركة سياسية على أرض الواقع أو في الفضاء الافتراضي وهذا يجعلنا نتراجع من المشاركة العام وبالتالي تمثيل النساء سيقل وصوتنا سيصبح أضعف”. ترى سارة أثار العنف والحملات الإلكترونية الممنهجة ضد الصحفيات والناشطات السوريات، مؤكدة أنه عدم وجود أي رادع قانوني واجتماعي فالاستباحة مستمرة.

وبحسب تقارير الأمم المتحدة، تواجه النساء في المناصب القيادية والأعمال التجارية والسياسة عمليات تزييف عميقة ومضايقات منسقة وتضليلًا قائمًا على النوع الاجتماعي يهدف إلى دفعهن إلى التوقف عن استخدام منصات التواصل الاجتماعي أو مغادرة الحياة العامة تمامًا. في جميع أنحاء العالم، تُبلغ واحدة من كل أربع صحفيات عن تعرضهن لتهديدات بالعنف الجسدي عبر الإنترنت بما في ذلك التهديدات بالقتل.

العنف الرقمي امتداد لعنف أعمق ضد النساء

تقول بدرة دبابي مسؤولة التواصل ومدققة معلومات في منصة “هي تتحقق” إن المجتمع الذكوري يحاول بكل الطرق طمس وإقصاء النساء من الفضاء العام واستبعادها من مناصب القرار مثل السياسة والنشاط الحقوقي والعمل الصحفي وكل عمل يسلط الضوء على قدرة النساء وانجازاتهم، وهذا الإقصاء الموجود في الفضاء العام له امتداد في الفضاء الرقمي، ويتم استهداف النساء وتشويه سمعتهن فقط لمنعهن من المشاركة.

ولاحظت دبابي أنه عقب سقوط نظام الأسد انتشرت حملات إلكترونية فقط هدفها الطعن في شرف السوريات وتشويه سمعتهن. مبينة أن “السبب في انتشار هذا النوع من المحتوى أو الاستهداف للناشطات والصحفيات هو أولا بسبب الخلفية الاجتماعية التي تحدد دور المرأة في المطبخ وفي البيت وأيضا هيمنة وسيطرة الذكور على مناصب السلطة وقلة تمثيل المرأة في المناصب السياسية”. 

وتؤكد دبابي أن العنف الرقمي وحملات التضليل تؤثر بشكل كبير على النساء في المنطقة العربية فحتى لو المرأة تجاهلت هذه الحملات أفراد عائلتها أو زوجها سيضغطون عليها للتخلي عن عملها أو للتخلي عن الظهور الإعلامي او الرقمي كي لا تتعرض للتشويه مجدداً.

“العنف الرقمي في ظاهره مجرد كلام ولكن له تأثير كبير حتى في تغيير الرأي العام ويمكن أن يتسبب في خسارة وظيفة أو حالة اكتئاب وصولا إلى العنف الجسدي أحياناً”، تشدد دبابي مبينة أن الحل بتطوير حملات مناصرة وتوعية ضد خطاب الكراهية الذي يستهدف النساء وأيضا مواجهة التضليل ضد النساء السوريات من خلال منصات مختصة كما العمل الذي نقوم به في منصة “هي تتحقق” المتمثل في مواجهة التضليل الذي يستهدف النساء في المغرب العربي.

تُظهر شهادات سمر وهدى وسارة، إلى جانب القراءة التي تقدّمها بدرة، أنّ العنف الرقمي بعد سقوط النظام لم يكن هامشيا أو عارضاً، بل أصبح أداة فعالة لدفع النساء وخاصة منهن الصحفيات والناشطات إلى الانسحاب من الفضاء العام أو تقليص حضورهنّ فيه.

في ظل غياب حماية قانونية فعّالة، وتسامح اجتماعي واسع مع خطاب الكراهية ضد النساء، يتحول العالم الرقمي من مساحة وعدت بالحرية والتعبير إلى مساحة جديدة من الترهيب.

بالنسبة لكثير من السوريات، لم يعد الخوف فقط من الاعتقال أو السلاح أو السلطة الأمنية، بل أيضا من “منشور” أو حتى “تغريدة” قادرة على قلب حياتهن رأساً على عقب. وبين الرغبة في الاستمرار بالمشاركة والخوف من كلفة هذه المشاركة، تعيش أصوات نسائية كثيرة اليوم على حافة الصمت.