syria-medialab.com

by Eva Sheikh Musa

العدالة بعد الحرب: بين نزع وبناء المستقبل

تحصين العدالة الانتقالية من توليد مظلوميات جديدة

إيفا شيخ موسى

تمرّ سوريا بمنعطف تاريخي حاسم بعد عقود من القمع وسنوات من الصراع الدموي الذي خلّف مئات الآلاف من الضحايا وجروحاً غائرة في النسيج المجتمعي. وفي خضم البحث عن العدالة الانتقالية، يبرز سؤال مصيري: كيف يمكن تحقيق المساءلة وجبر الضرر دون تحوّل هذه العملية إلى أداة للانتقام أو استبدال مظلومية بأخرى؟

لقد شهدت تجارب دولية عديدة كيف يمكن أن تتحول آليات العدالة الانتقالية إلى أدوات لتسوية حسابات سياسية وطائفية، مما يولد دوائر جديدة من العنف ويعيق المصالحة الوطنية. لكن في السياق السوري، حيث التعقيدات السياسية والانقسامات المجتمعية والجراح المتراكمة، يصبح تحصين هذه العملية من مخاطر توليد مظلوميات جديدة ضرورة أساسية.

إن الانشغال المفاهيمي بالتحول من قمع إلى انتقال ديمقراطي نحو السلام، رغم أهميته، لا يكتمل إلا بمواجهة واقعية وممنهجة للأفعال الميدانية التي تهدد بتقويض أي مسعى للمصالحة. فالمبادئ المتجلية في نص المادة 49 من الإعلان الدستوري لعام 2025، بوصفها قاعدة قانونية لأي انتقال حقيقي، لا يمكن أن تتحقق دون إطار عملي يضمن تنفيذها على الأرض.

وعندما نقرأ أرقام الضحايا والظروف الخاصة بالعنف في سوريا بعد الأسد، لا يمكننا الاكتفاء بصياغة دستورية فحسب. فغياب آليات تنفيذية محايدة وقابلة للتطبيق قد يحوّل المساءلة إلى انتقام، ويضيع فرص تحويل النص إلى واقع يحمي الضحايا ويمنع تكرار الانتهاكات.

ومن هنا يتضح أن الأخطار الميدانية، مثل تعدد الفاعلين، وتشتت الأوامر، واستهداف المدنيين، تفرض إعادة ضبط العلاقة بين السياسة والقانون. ليس من الحكمة أن تبقى المحاسبة شعاراً منبرياً عابراً، بل يجب أن تُصاغ ضمن إطار قضائي وعملي يستبعد الانتقائية ويجنب المجتمع دوائر مظالم جديدة.

بناءً عليه، يصبح الانتقال الحقيقي مطلباً مزدوجاً:
نص دستوري يقر بالحقوق، وإطار قضائي ومؤسسي يطبق هذه الحقوق. فالنص الدستوري وحده لا يكفي ما لم يتبعه إطار قانوني واضح يضمن للضحايا الحق في الحقيقة والإنصاف، ويفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية مبنية على المساواة أمام القانون.

وقد قدمت الأحداث الدامية التي شهدها الساحل والجنوب دليلاً مأساوياً على هذه الحقيقة، حيث كشفت عن خطر مزدوج: حجم الخسائر الإنسانية المباشرة من ناحية، وقدرة العنف على تحويل الخلافات إلى مظالم جماعية دائمة من ناحية أخرى إذا لم تُواجَه بإجراءات قانونية شاملة ومحايدة.

وبالتالي، يصبح وجود إطار قانوني وطني ودولي واضح وملزم بعد إسقاط النظام أمراً لا مساومة عليه. إطار يضمن محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويفعّل آليات حماية حقوق الضحايا، ويمنع العقاب الجماعي والملاحقة الانتقائية.

فأولى مخاطر أي عملية انتقالية هي الانتقائية: عندما تُركَّز المساءلة على طرف واحد وتُغفل انتهاكات بقية الأطراف، يندلع شعور واسع بعدم المساواة في الاعتراف بالأذى وبالحقوق، ما يولد مظلوميات بديلة ويقوض شرعية العملية برمتها.

لذلك لا يجوز أن تقتصر الأولوية على رصد انتهاكات طرف واحد، بل يجب أن تؤسس المعالجة على منظور يضع الضحايا في المقام الأول بغض النظر عن هوية الجناة، مع استثناءات تنظيمية واضحة مثل إحالة الجرائم الدولية الكبرى إلى المحاكم الجنائية الدولية أو المختلطة.

كما أن تركيز العدالة على المحاكمات وحدها دون آليات جبر ضرر حقيقية وبرامج إعادة تأهيل اجتماعية واقتصادية سيخلق فراغاً لا تسده المحاكمات وحدها.

ولهذا يجب أن تكون العملية متعددة المستويات:

  • محاكمات تستهدف كبار المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
  • لجان حقيقة محلية ووطنية توثق الانتهاكات وتكشف الحقائق.
  • برامج تعويض وإعادة تأهيل تلبي الاحتياجات النفسية والاقتصادية للضحايا.
  • إصلاح مؤسسي للأجهزة الأمنية والقضائية لمنع الإفلات من العقاب مستقبلاً.

كما أن فتح مكاتب محلية وفرق ميدانية يزيد من حساسية العملية للاختلافات المجتمعية ويعزز مشاركة الضحايا.

أما ضمانات الاستقلالية والحياد فهي عامل حاسم. إذ يجب أن تتمتع هيئات العدالة الانتقالية باستقلالية تشريعية ومالية وإدارية، مع آليات شفافية ومساءلة خارج أي هيمنة حزبية أو طائفية. ويتطلب ذلك مشاركة متنوعة للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والضحايا في هياكل الإشراف، مع حماية حقوق الدفاع ووضع ضوابط واضحة لمنع العقاب الجماعي أو العقوبات التمييزية.

كما ينبغي أن تُنظَّم عملية تعيين أعضاء هذه الهيئات بآليات مفتوحة وقواعد تأهيل واضحة ومراجعة مستقلة لضمان المصداقية.

ولا يقل البعد التقني والإجرائي أهمية، إذ يشمل توثيق الأدلة الرقمية، وفرض قواعد سلسلة الحيازة، وبناء قواعد بيانات وطنية للضحايا والمفقودين، إضافة إلى الشراكة مع مؤسسات دولية متخصصة في إدارة الأدلة الجنائية والتعرف على المفقودين باستخدام الحمض النووي.

هذه الإجراءات ضرورية لضمان محاكمات عادلة ونتائج ملموسة للضحايا.

وفي المقابل، يجب ألا تؤدي إجراءات الإصلاح إلى فصل جماعي أو تطهير عشوائي للموظفين أو الجنود الذين لم يثبت تورطهم في جرائم، لأن ذلك قد يولد مظالم جديدة ويغذي دوافع العنف المضاد.

إن العدالة الانتقالية في سوريا ليست مشروعاً تقنياً فحسب، بل مشروع سياسي واجتماعي يتطلب بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته. وهي عملية يجب أن تتقدم بخطوات متوازنة تبدأ بالاعتراف الشامل بالضرر وتمكين الضحايا من المشاركة، وتترافق مع إصلاحات قضائية ومؤسسية وبرامج مصالحة اجتماعية محلية.

بدون هذه العناصر المتكاملة، يخاطر المجتمع بأن يحل محل دورة الإفلات من العقاب دورة جديدة من الانتقام والمظلوميات. أما الطريق الواقعي للخروج من هذه الدوامة فهو عدالة شاملة ومستقلة ومركزة على الضحايا، تحفظ حق السوريين في مواطنة متساوية وكرامة لا تتحول إلى انتقام دائم.