syria-medialab.com

by Israa Alrefai

«لم أعد إلى الحياة»: قصص المحررين من معتقلات الأسد

“لسنوات، كانت روايات التعذيب والإخفاء القسري وعمليات الإعدام الجماعية السرّية في مراكز الاحتجاز السورية تقشعر لها الأبدان. من غير المقبول أن ينجو من تلك الأقبية الجهنمية أحياءٌ ليجدوا أنفسهم اليوم عاجزين عن الحصول على علاج طبي ونفسي عاجل” تقول بيسان الفقيه، الباحثة في منظمة العفو الدولية.

يوم فُتِحَت الأبواب

في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤ خرج إياد، ٣٣ سنة، من البوابة المعدنية لسور فرع فلسطين، مشى تحت شمس خريف دمشق الفاترة بعد انقطاع دام أربع سنوات، جلس بجسمه الهزيل على كرسي بلاستيكي بجانب كشكٍ قدم له صاحبه قنينة ماء وفنجان قهوة، فيما طلب إياد سيغارة ومكالمة هاتفية، فاستجاب صاحب الكشك.

اتصل بوالدته التي سمعت صوته بعدما كانت تظنه في عداد الموتى منذ تاريخ اعتقاله عام ٢٠٢٠، بكت فرحًا وأرسلت من يقلًه من دمشق الى منزلهم في السلمية، حيث علم إياد أن كل ما بناه ضاع، لم يتعرف ابنه عليه بجسمه الهزيل، ظنه ميتًا منذ ٢٠٢١، خسر منزله ومركز التجميل الذي كان باب رزقه، ووجد نفسه يبدأ حياته “ليس من الصفر، بل من تحت الصفر”.

إياد واحد من ٢٤ ألفًا و٢٠٠ معتقلًا محررًا على الأقل، خرجوا من معتقلات النظام البائد يوم أسقاطه، تتفاوت ظروف تكيفهم ويتشاركون جميعًا الحاجة الملحة لتلقي دعم نفسي إثر ما عانوه من تعذيب وحشي على أيدي أجهزة الأسد الأمنية وعساكره.

الإرث النفسي لمعتقلات الأسد

قبل الحرب عمل إياد خبير تجميل في مركزٍ يمتلكه، ومنذ ٢٠١٤ بدأ ينقل السلاح بين دمشق وحماه، حتى اعتُقَل عام ٢٠٢٠ من حي المزّة الدمشقي في كمين اقتيد على إثره للفرع ٢١٥، حيث بقي في زنزانة منفردة لمدة 28 يوماً، قبل أن يُحوَّل إلى فرع فلسطين سيّئ الصيت، حيث كان التعذيب ممارسة يومية، وبقي هناك حتى سقوط نظام الأسد.

“شبحوني من الساعة ١١ ليلًا حتى الساعة ١٠ صباحًا، علقوني من أعضائي التناسلية لساعات، عذبوني بالمياه والصعق الكهربائي” يشرح غياد عند سؤاله عما يذكره من تجارب.

لا يحب إياد كلمة “تحرير”. “لم أعد إلى الحياة. ما زلت في السجن، في مكان ما. كل شيء سُرق: بيتي، مركزي، عملي. الحرية الحقيقية هي أن أحصل مجدداً على راتب، على معنى. لا أشعر أنني قادر على بناء بيت أو إيجاد عمل. لم أعد الشاب الذي كنت عليه.”

الدعم النفسي ضرورة عاجلة

انعدام الثقة بالمجتمع والآخرين، هي سمة يتشاركها إياد مع ناجين آخرين من معتقلات النظام البائد. يتساءل يتمان قنبر، وهو أخصائي دعم نفسي في مركز العائلة في دمشق: “كيف نعيد بناء الثقة بالمجتمع؟ لأن الناجين فقدوا الثقة بالمجتمع بشكل عام” ويتابع مجيبًا: “بعد السقوط انتقل عمل المركز إلى دمشق، بدأنا في الشهر السابع من ٢٠٢٤ بتقديم خدمتنا الأساسية وهي الدعم النفسي الجمعي، مجموعات مؤلفة من عشر أشخاص، عشر جلسات، جلسة أسبوعيًا مدتها ساعة ونصف، يتشارك الناس تجاربهم، نعمل على اعادة بناء ثقة الناجي بالمجتمع عن طريق بناء الثقة بمجموعة صغيرة، تساعده على التأقلم مع المجتمع الاكبر”

وعن العوارض النفسية التي يختبرها الناجون يعدّد قنبر: “استعادة تجربة او ذكريات هجومية، حالات توتر شديد وقلق، نوبات هلع، عصبية مفرطة، هناك خوف وتجنب عالٍ للمشاعر، تغطية على المشاعر بدافع أولويات اخرى، تجنب أحيانًا للمقربين، على سبيل المثال هناك ناجون يفضلون عدم الجلوس مع بعض لأن وجودهم يذكرهم بالاعتقال. البعض يرى شرطيًا فيغير مكانه، هناك تجنب عالٍ للأشخاص الذين يذكروهم بالتجربة، هناك معتقلون يتجنبون الأماكن، الأفرع الامنية مثلًا، بعضهم يغير طريقه، يطيله لمدة تصل للساعة، حتى لا يمر من أمام فرع مثلًا، هناك مشاعر لوم ذات، خزي وعار، شعور بالذنب، تحديدًا عند الناجيات من الاعتقال وهذا مرتبط بطبيعة التجربة المعاشة، ومنها انتهاكات جنسية، والمجتمع لم يرحمهن عند خروجهن”

لكن الجلسات الجماعية ليست الحل الأمثل للجميع، إذ يوضح قنبر أن الجلسات الجماعية لا تناسب طبيعة صدمات بعض الناجين، فيتجهون استثناءًا لجلسات فردية باعتبارها الخيار الأخير عند وجود صدمات معقّدة.

نظرًا لضعف الموارد مقارنة بعدد الناجين المحتاجين للدعم نفسي، يقدم مركز العائلة خدمات عاجلة بحسب قنبر: “نقدّم ورشة المرونة النفسية لكل الناجين من الاعتقال، هي استجابة طارئة ريثما يدخلون جلسات جماعية لأن العدد كبير، هذه ليست ورشة تخصصية لكننا نرفع الوعي حول الآثار النفسية الناتجة عن الصدمات التي عاشوها، وكيفية تخفيف هذه الآثار، عن طريق إعطاء وسائل تكيّف، وتعزيز هذه الوسائل.”

يعترف قنبر بوجود بعض التحديات كالوصمة الاجماعية، لكن مركزهم يعتمد على الناجين نفسهم لتوعية وتشجيع بعضهم الآخر على الانضمام للجلسات. بينما تبرز تحديات أكبر بحسب قنبر: “أبرز التحديات هي شدّة الحالات التي نستقبلها، وتعقيد الاحتياجات، المعتقلون بحاجة لمتابعة طبية ودعم مادي كما نفسي وعلاج فيزيائي وسكن، الاحتياجات كثيرة ومعقدة، والصعوبة هي ضعف الإمكانيات.”

على بعد كيلومترات، في مدينة حمص، يعمل الطبيب النفسي أحمد رضوان من منظمة ميد غلوبال في مركز “ضو” ضمن جمعية الإنشاءات، يحدثنا عن تجربته: “مر المركز بمرحلتين، المرحلة الأولى هي الاستجابة السريعة خلال شهر كانون الأول فور سقوط النظام البائد، تأسس مركز متواضع ضمن المشفى الوطني لمعالجة الحالات الحرجة جدًا، ريثما عملنا على تصميم برنامج خلال أربع أشهر يناسب حاجيات المجتمع السوري، أطلقنا البرنامج في نيسان ٢٠٢٥ ضمن مبادرة تعافي حمص”.

خلال أشهر، تمكن المركز من دعم عشرات الناجين: “لم اتوقع هذه النتائج، تخرج من برنامجنا ١٣٠ شخصًا، نسبة اعادة الاندماج والعودة للعائلات أكثر من ٦٠ بالمائة وهي نسبة عالية جدًا..” يقول رضوان.

يعتمد مركز ضو أيضًا على الجلسات الجماعية، بحسب هيثم وهو أحد الناجين المشاركين في هذه الجلسات: “خرجت فوجدت والدتي متوفاة، تغيرت الناس، لم يبقى شيء مثلما هو، سمعت عن تشكيل مركز صحي، أعطانا هذا بعض التفاؤل على الحياة، أخذنا جلسات جماعية استفدنا منها”.

التشافي كمتمم للحريّة

الحرية بمفهومها أوسع من فتح أبواب المعتقلات وإطلاق المعذبين داخلها، بل هي مسار طويل من التشافي لا يكتمل سوى بتقديم الدعم للناجين بما يتيح لهم الإندماج مجددًا كأفراد منتجين في المجتمع، ويصون حقهم في جبر الضرر، وهو مسار لا يمكن أن يُترك ليثقل كاهل المبادرات محدودة التمويل ومنظمات المجتمع المدني، يبقى هنا السؤال مفتوحًا حول قدرة الحكومة الانتقالية والمجتمع معًا على التعامل مع هذا الإرث الثقيل، ما بعد السجون لا يقاس بعدد الأبواب التي فُتِحَت، بل بقدرة الخارج على استيعاب من خرجوا، ومنحهم الحد الأدنى من الأمان والدعم الذي يجعل العودة ممكنة، لا شكلية فقط.