syria-medialab.com

by Tala Alshaikh Ali

 قراءة في تحولات الدراما السورية بين حكومتين

استطاعت الدراما السورية منذ نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، أن تكون القوى الناعمة التي عملت على تأصيل هوية الفن السوري، وتركت بصمة في وجدان المتابعين على امتداد الجغرافية العربية، ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا مؤخراً، هناك ترقب لأثر هذا التغيير على صناعة الدراما في سوريا، ومدى قدرتها على عكس الواقع، وصياغة الوعي الاجتماعي والسياسي في سوريا الجديدة. 

الهيمنة السياسية على صناعة الدراما

طرحت الدراما السورية قضايا جريئة وحساسة خلال حكم النظام السابق، ما طرح تساؤلات عديدة عن حقيقة العلاقة بين صناع الدراما التلفزيونية والسلطة، ولكن جاء الجواب صارخاً مع بداية انطلاق الثورة السورية، حيث اتضح بفظاظة أن الفن في سوريا لم يكن بمنأى عن السياسة وعن سيطرة الدولة وكان أداة من أدواتها، ويخضع لإشراف مباشر ورقابة منها، ما جعلها وسيلة لتلميع صورتها، ووسيلة لتوجيه الرأي العام بما يتناسب مع سياسة الدولة.

ونتيجة زيادة القيود وتراجع الإنتاج الحر المستقل، تدهور قطاع الإنتاج الدرامي بشكل عام، ومع انتقال السلطة دخلت الدراما مرحلة جديدة لم تتشكل ملامحها بعد، وبدأ الفنانون تلمس آثار   التحول الفني الذي بدأ يظهر في سوريا بعد سقوط النظام وفتح مساحة جديدة للنقد، وحول ذلك يقول الممثلان أحمد ومحمد ملص في حديث خاص: لاشك أن هناك تغيير على مستوى النقد السياسي مقارنة بين زمن النظام والحكومة الحالية، ولايزال إلى يومنا هذا هناك رقابة واضحة في بعض القضايا، والنظام الجديد ليس منفتح مئة في المئة وخاصة فيما يتعلق بالرقابة الدينية.

ويضيف محمد ملص من تجربتنا الشخصية انا وأحمد، دون أدنى شك لا يوجد وجه للمقارنة بين الحكومة الحالية والنظام السابق، ولكن ليس هذا ماكنا نحلم به ونطمح اليه، وأعتقد ان رفع سقف الرقابة في الوقت الراهن بسوريا، هو أحد نتائج الثورة ولا يعود الفضل فيه إلى السلطة الجديدة مع احترامي لها، وعلى رأي الدكتور برهان غليون: “الديموقراطية تنتزع”، لا يوجد حكومة تقدم الديموقراطية على طبق من ذهب.

ويؤكد ملص أن هناك تغيير واضح في الوضع العام، ولكن هناك خلل في بعض المواضع، منها تعيين الناس الثوريين في الوظائف بغض النظر عن الكفاءة، ووفق قوله هذه مشكلة كبيرة لإن التاريخ الثوري الكبير لا يشفع لصاحبه بأن يستلم منصب ما وهناك كفاءات أفضل منه، ويجب أن تحتفظ الدولة بموظفيها الأكفاء طالما لم تتلوث يديهم بالدماء، وبالنهاية جميعنا سوريين. 

 وفي ذات السياق، تقول المخرجة والإعلامية آلاء عامر، بأن ليس هناك تغييرات حقيقية بين المرحلتين انعكست على الدراما، بل بالعكس أصبح هناك صعوبات أكثر تتعلق بمساحات الحرية ومعالجة المواضيع، وذلك سواء على صعيد الحرية التي لها علاقة بالسياسة وتتناول السلطة الجديدة، أو الحرية بمعنى الحريات الفردية كمثال ملابس الفنانات والممثلات، أو التفاصيل التي لها علاقة بالسيناريو.

ووفق وجهة نظر آلاء عامر، أن الوضع الراهن أثر بشكل سلبي على صناعة الأفلام، وأصبح هناك تحفظات وقيود اجتماعية وسياسية جديدة، والقضايا التي من الممكن تناولها في الدراما تتعلق بفترة حكم الأسد وليس بالفترة الحالية، وبرأيها أن الظروف الجديدة لم تفتح مساحة للمخرجين بل زادت الصعوبات التي تواجههم، وتواجه أيضاً طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية.

 لا شك أن سوق الإنتاج الدرامي في سوريا يعيش أزمة مركبة نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية غير المستقرة في البلاد، ومما لاريب فيه أن هذه الصناعة يمكن لها ان تنتعش من جديد فيما تم الاستثمار فيها بعيداً عن التوظيف السياسي المباشر، وأزيلت العقبات التي تحد من حرية الرأي والتعبير في الطرح الفني.

 وفي هذا الإطار ترى آلاء عامر، أن المشاكل الأمنية والقانونية الجديدة التي ترافقت مع التغيير السياسي رمت بظلالها على قطاع الدراما، وأوضحت أنه لتصوير مقطع في الشارع على المخرج الحصول على قائمة طويلة من الموافقات التي تحدد تحركاته وخط سيره، وأضافت أن الوضع الأمني غير المستقر لايوفر مساحة آمنة للعمل، وأشارت ان بعض الأصدقاء عادوا إلى سوريا للعمل على أفلام تتعلق بسجن صيدنايا  ولم يستطيعوا الحصول على الموافقات اللازمة في حين هناك بعض منتجي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي من الموالين للسلطة الحالية أخذوا موافقات بمنتهى السهولة.

الفنانون والتطبيل للسلطة 

بين التطبيل للنظام السابق عن سبق الإصرار والهوى، وبين الخوف من التهميش والاضطهاد تنوعت مواقف الفنانين السوريين المؤيدين للنظام، فيما كانت هناك فئة أخرى وقفت مع الثورة السورية بكل جوارحها ولم تساوم على مواقفها السياسية، وعن هذا قال محمد ملص، أن لكل سلطة مطبلين وشبيحة يبررون للحكومة أخطاءها، وبعض الفنانين تتحول ولاءاتهم من سلطة إلى أخرى وفق مصالحهم.

ويؤمن ملص بمقولة أن الفنان يجب أن يكون معارض بالفطرة لأنه يحلم بواقع أجمل، ومن وجهة نظره أن مهمة الفنان انتقاد السلطة لأنه يحترمها ويريد تقديم الأفضل، وذلك بعكس المفهوم السائد بالوطن العربي أن النقد يعني فقط محاربة الحكومة وبالتالي كل منتقد هو معارض وخائن. 

من الجدير بالذكر أن وزارة الثقافة في سوريا، أصدرت قراراً ينص على إيقاف العروض المسرحية للأخوين ملص بعد منشور على صفحتهما في “فيسبوك” انتقدا به الحكومة الحالية، وهذا يثير بعض التساؤلات حول صعوبة العمل داخل بيئة مازالت في بداية التحول، وعن هذا أجاب ملص، أنهم يقدمون عرض إنساني يتداخل مع السياسة، يجربون أن يقولون به مايريدون وما يشعرون به.

بين توظيف الدراما في خدمة السلطة وجعلها لعقود أداة دعائية وبوق يخدم أجنداتها، وبين تحولات سياسية كبرى شعارها الحرية والكرامة، يتأرجح مستقبل قطاع الإنتاج الدرامي السوري، الذي يأمل العاملين فيه على أن يكون مرآة للتغيير الاجتماعي، وأن يكون مساحة تتمتع بالاستقلالية والإبداع.