by Alaa Ali Alqasem
لاجئو الزعتري… بين فرح التحرير وعودة مؤجلة
حين دوّى خبر سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت إيمان عواد في طليعة من استقبل الخبر بالفرح في مخيم الزعتري، حيث تبادلت التهاني مع جاراتها وسط أصوات الزغاريد التي علت بين الكرفانات في المخيم، وكأن المخيم كلّه يستعيد صوته المؤجل منذ أكثر من عقد، في مشهد أعاد إلى الأذهان سؤالاً واحداً، هل حان وقت العودة؟
ديون معلقة ومستقبل الأبناء
لكن هذا السؤال سرعان ما اصطدم بحسابات الواقع والظروف، تعيش إيمان عواد (42 عاماً)، مع عائلتها منذ عام 2013 في المخيم، بعد أن فُقد زوجها خلال “رحلة غير نظامية” عَلق فيها بليبيا وانقطعت أخباره منذ عامين، تاركاً وراءه ديوناً استدانها لتأمين سفره، ولتتحمل زوجته اليوم مسؤولية سدادها.
تقول إيمان:”أنا اليوم أمام قرار لا تحكمه العاطفة، فـ عليّ تسديد الديون، وتأمين احتياجات أطفالي وتعليمهم”، حيث لديها طفلان يدرسان بمرحلة الابتدائي، وابنة تدرس في مرحلة الثانوية العامة وفقاَ للمنهاج الأردني الجديد الممتد لعامين، بينما ابنة أخرى تدرس تخصص “الترجمة” في جامعة الزرقاء في الأردن بدعم من منحة “دافي” وهي منحة دراسات عالمية ممولة من قبل UNHCR.
فتوضح إيمان بأن عودتهم اليوم تعني خسارة ابنتها منحتها الجامعية، وهناك عائق آخر، إذ لم تكن العائلة تمتلك بيتا خاصاً قبل اللجوء، بل كانت تعيش في غرفة داخل منزل عائلة الزوج.
وتتقاطع قصة منال مع قصة إيمان عند النقطة ذاتها، الخوف على مستقبل الأبناء، تعيش منال عويجان (43 عاما)، من محافظة حمص، مع أبنائها الأربعة في المخيم منذ عام 2012، وهي المعيلة لهم، واضعة تعليمهم في صدارة أولوياتها، مما يجعل قرار العودة مؤجلا، رغم الشوق للبلاد والأهل.
فأحد أبناءها يدرس بمرحلة الثانوية العامة فيما يدرس ثلاثة آخرون في الجامعات الأردنية بدعم من منح جامعية، فتقول منال:”:نقل أبنائي للدراسة بالجامعات السورية يعني إلزامهم للدراسة بالجامعات الخاصة بكونهم سينتقلون من جامعة خاصة بالأردن، وهذا سيحمّلني تكاليف مالية لا قدرة لي على تأمينها، فضلاً عن احتمالية إعادتهم سنة دراسية كاملة عند معادلة الشهادات”، وهو مصير يواجه كثير من الطلبة السوريين الحاصلين على منح جامعية في الأردن.
وإضافة إلى ذلك، تشير عويجان إلى ضعف الخدمات الأساسية في سوريا، وغياب فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة في بلد أنهكته الحرب، مما يجعل تأمين حياة كريمة لأبنائها أمراً بالغ الصعوبة، لا سيما في ظل عدم امتلاك العائلة منزلاً صالحاً للسكن، بعد أن دُمرت البيوت في مناطقهم.
وتضيف عويجان أن بعض الأقارب والمعارف ممن عادوا مأخراً إلى سوريا يحذرونهم من العودة حاليا، بسبب ضعف الخدمات، وغلاء المعيشة.
القرض كعائق قانوني
وعلى نحوٍ مختلف تواجه نوارة طلال (30عاماً)، أم لخمسة أطفال، عائقاً قانونياً يتمثل في “قرض بنكي” أخذته هي وزوجها لسد احتياجات عائلتهم، ولكن مع قلة فرص العمل مقابل الأعداد الكبيرة للاجئين في المخيم لم يتمكنا حتى الآن من سداد المبلغ، مما يمنعهم قانونياً من مغادرة الأردن والعودة إلى سوريا الآن.
وفيما يتعلق بدراسة أبناءها تشير نوارة إلى أنهم يتلقون تعليمهم في مدارس المخيم بكتب مدرسية مجانية، في حين سيضطرون في سوريا إلى شراء الكتب ومستلزمات التعليم بأنفسهم، وهو عبء يصعب تحمله مع عدم وجود مصدر دخل لهم ،كما وتتضاعف المخاوف مع الدخول في فصل الشتاء، إذ لا يوجد بيت يؤوي العائلة، ناهيك عن غلاء الأسعار وصعوبة تأمين وسائل التدفئة في بلد يعاني من أزمات معيشية حادة.
منع سفر بسبب فاتورة العلاج
ومن جانب آخر، تواجه مريم الأحمد (45عاماً)، والتي تعيش مع زوجها وأبناءها في المخيم منذ عام 2013، عائقاً قانونياً ومالياً أيضاً لكنه من نوع آخر، فقد تلقى أحد أبناءها علاجاً في إحدى مشافي الأردن، ولعدم قدرتهم على دفع التكاليف مباشرة قد ترتبت عليهم فواتير لم تُسدد ضمن المهلة المحددة لهم، مما أدى إلى فرض منع سفر على زوجها بصفته وليّ أمر الطفل الذي لم يتجاوز 18 عاما، إلى حين تسديد المبلغ كاملا.
وإضافة إلى ذلك، تتحمل الأسرة أعباء إضافية تتعلق بتكاليف المواصلات وتصديق الشهادات التعليمية للأبناء ووثائقهم الرسمية في الأردن، قبل التفكير بأي خطوة للعودة إلى سوريا، في ظل معاناة الأب من وضع صحي صعب، وغياب مصدر دخل ثابت.
الحضانة للأم، والسفر بيد الأب
وفيما يتعلق بفئة النساء المنفصلات اللواتي يحملن عبء أطفالهن ومستقبلهن، تتجسد تحديات العودة لديهنّ بصورة أكثر تعقيدا، كقصة مرح البرغش (22عاماً)، منفصلة ولديها ابنة، وتعيش حالياً مع أمها وأخوتها في المخيم، وقد أتمت مرحلة الثانوية العامة في الأردن وكانت تحلم بالعودة إلى سوريا هذه السنة، والتقدم لمفاضلة الجامعات لتكمل تعليمها، لكن الواقع حال دون ذلك، فوالد ابنتها أي طليقها، فرض منع سفر للطفلة، وبكل الأحوال دون موافقة الأب لن تتمكن البرغش من اصطحاب طفلتها قانونياً على الرغم من أن الطفلة بحضانتها الآن وفقاً للقانون الأردني، وتصف مرح وجعها:”قلبي معلق ببنتي، ومستحيل أمشي وأتركها، هي أهم شي بحياتي”.
وتواجه البرغش وعائلتها وفقا لماً قالته تحديات لوجستية ومالية، فبيت أهلها في سوريا يحتاج لترميمات واسعة، كما تبرز معضلة “نقل الأمتعة” كعائق مادي كبير، إذ إن الدعم المادي الذي تقدمه المفوضية وهو 100 دولار للفرد لاتغطي سوى جزء ضئيل من تكاليف برادات النقل التي تتراوح مابين 500 إلى 800 دينار أردني حسب كمية الأمتعة، مما يجعل قرار العودة عجزاً مالياً قبل أن يكون قرار شخصي حسب ما ذكرته البرغش.
العلاج أولاً
وبالنسبة لتماضر العليان (32عاما)، ابنة محافظة درعا، تجسد قصتها واقع العديد من مرضى السرطان في المخيم، فهي تخضع لخطة علاجية في “مركز الحسين للسرطان في الأردن” وتتلقى علاجها بشكل مجاني عبر “صناديق الخير” التابعة للمركز، وهي صناديق مخصصة لدعم المرضى الذين لا تتوفر لديهم الإمكانات المادية لتغطية التكاليف الباهظة للعلاج، بغض النظر عن الجنسية أو العمر، وتثني تماضر على حداثة الأجهزة في المركز ومستوى الرعاية الفائقة التي تتلقاها كغيرها من المرضى الآخرين.
ولن تتمكن العليان من العودة حالياً إلى سوريا حتى تستكمل علاجها بالأردن إن شاء الله، وهي تعيش حالياً مع أمها وابنها الصغير، وبفضل من رب العالمين هي بمرحلة التعافي من المرض، وهذه مرحلة دقيقة تتطلب التزاماً صارماً بالبروتوكول الطبي، فـ بحسب خطتها العلاجية تقول العليان:”بحتاج بالوقت الحالي تصوير نووي تشخيصي للجسم كامل كل ثلاثة أشهر، حتى أضمن إن شاء الله عدم عودة الخلايا السرطانية وحتى أتأكد من عدم حاجتي لمزيد من الجلسات الإشعاعية بإذن الله”.
إعادة التوطين في بلد ثالث
ولا تتوقف تحديات العودة لأسباب اقتصادية وقانونية وعلاجية فحسب، بل تمتد أيضا إلى من يشملهم “إعادة التوطين”، حيث قصة سها الدوس (38 عاماً)، من مدينة بصرى الشام من محافظة درعا، وهي تعيش مع زوجها وأبناءها بالمخيم، والذين بالرغم من شوقهم للوطن، لا يستطيعون العودة الآن، لأنهم مشمولين بإعادة التوطين لـ استراليا، وذلك لأسباب مرضية تتعلق بحاجة زوجها وابنتها للعلاج.
وتوضح سها أنه قد أُجريت معهم مقابلات للسفر قبل سقوط نظام الأسد في سوريا وما بعد التحرير تم استكمال المقابلات معهم ، وهم الآن في انتظار تأكيد موعد السفر إن شاء الله، وقصتها تتشابه مع قصص العديد من عائلات المخيم التي تعيش بين الحنين للوطن وبين متطلبات إعادة التوطين الضرورية لعلاج حالات مرضية لأفراد من أسرتهم.
أسباب تتقاطع وعودة مؤجلة
إلى جانب هذه الحالات، يخشى بعض اللاجئين السوريين في المخيم من العودة بسبب التوغل الإسرائيلي في مناطق قريبة من قراهم في محافظة درعا، فيما يعاني آخرون من أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم، حيث توفر مشافي المخيم الأدوية لهم مجاناً بشكل منتظم، فيما يتطلب الحصول عليها في سوريا دفع تكاليف شهرية.
وأيضا تواجه العائلات التي لديهم أطفال من ذوي الإعاقة صعوبات مضاعفة في ظل ضعف الخدمات داخل سوريا، وفي بعض الحالات بشكل عام يعود الأب لوحده إلى سوريا، بينما تبقى عائلته بالمخيم تنتظره إلى حين تأمين عمل له ومسكن مناسب للعائلة لتلتحق به فيما بعد، وذلك فقاُ لما أكده اللاجئون في المخيم.
إعادة الإعمار للعودة الآمنة
وخلف ستار الرغبة العاطفية بالعودة للوطن، تقف حقائق ميدانية ولوجستية تحول دون تدفق اللاجئين السوريين من مخيم الزعتري نحو الداخل السوري، ففي الوقت الذي بدأت فيه سوريا ملامح عهد جديد، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني وفقاً لإحدى تصريحاته السابقة لـ “قناة المملكة الأردنية”، بأن التراجع الحالي في وتيرة العودة ليس أمنياً بالدرجة الأولى، بل نتاج “تركة ثقيلة من الدمار” خلفها النظام السابق.
وقد أشار عبد الغني أن السبب الرئيسي للتريث هو حجم الدمار الهائل وغياب الخدمات، مشيراً إلى أن عملية إعادة الإعمار مرتبطة ببدء ضخ الأموال الدولية بالرغم من أنه تم توقيع اتفاقيات، لكن الأمر يتطلب بضعة أشهر لتفعيل الأنظمة المصرفية والحوكمة، وأوضح أن الوضع الأمني لم يعد العائق الأكبر كما كان في عهد النظام السابق، وخاصة بظل ترحيب الدولة بالعائدين، إلا أن غياب المسكن والخدمات كفيل بعرقلة تدفق اللاجئين، ويؤكد عبد الغني بأن اللاجئين يرغبون بالعودة طوعا، لكن الضغط عليهم بالعودة قبل توفر السكن والخدمات سيجعلهم بلا مأوى فوق أنقاض منازلهم المدمرة.
كما كشف عبد الغني أن الحكومة السورية باشرت بتقييم المباني وإزالة الأطنان من الركام لفتح الشوارع الرئيسية، وهي مهمة تستغرق وقتاً طويلاً، ويرى أن العودة مرتبطة بالفجوة التعليمية واختلاف المناهج، فضلاً عن الحاجة لاستعادة المنظومة البنكية (نظام سويفت) وجذب الاستثمارات.
وشدد عبد الغني على ضرورة استمرار المانحين في دعم دول الجوار، خاصة الأردن ولبنان اللذين تحملا النسبة الأكبر من اللاجئين قياساً بعدد السكان، وأثنى عبد الغني على “الاحتضان الشعبي الأردني” للاجئين السوريين.
الأردن…بلد شقيق وملاذ إنساني
طوال أكثر من 13 عاما، شكل الأردن ملاذاً للاجئين السوريين، واحتضنهم بالمخيمات والمدن، في ظل علاقات اجتماعية وثقافية متجذرة، وروابط قرابة بين العشائر السورية والأردنية، وعادات وتقاليد تجمعهم.
استطلاعات المفوضية حول العودة
يقول الناطق الإعلامي باسم المفوضية في الأردن يوسف طه:” من خلال تفاعلنا اليومي مع اللاجئين، وبالاستناد إلى نتائج الاستبيانات التي أجرتها المفوضية خلال عام 2025، أفاد اللاجئون بأن من أسباب تأجيل عودتهم في الوقت الراهن هي دمار المنازل والبنية التحتية وغياب المأوى، إضافة إلى عدم توفر الوثائق القانونية الرسمية التي تثبت ملكيتهم للمساكن”
ويضيف طه أنه من الأسباب أيضاً غياب الخدمات الأساسية، وفقدان مصادر الدخل داخل سوريا، إلى جانب الاستقرار النسبي وتوفر الخدمات التعليمية والصحية في أماكن لجوئهم الحالية، فضلاً عن المخاوف الأمنية القائمة في بعض المناطق داخل البلاد.
موقف المفوضية، العودة طوعية
وفيما يتعلق ببرنامج العودة الطوعية والمساعدة المالية يوضح يوسف طه بأن المفوضية تقدم معلومات وإرشادات عن المناطق والأوضاع في سوريا، وفي شهر سبتمبر/أيلول قامت المفوضية بالبدء ببرنامج مساعدات نقدية للعودة يشمل دعماً نقدياً يقارب 70 ديناراً أردنياً للفرد (حوالي 100دولار) للعائدين من مخيمي الزعتري والأزرق للمؤهلين،
كما يوضح طه بأن برنامج النقل المجاني قد بدأ في شهر يناير/كانون الثاني، عام 2025، ويشمل نقل مجاني للاجئين الراغبين بالعودة إلى سوريا، وتذاكر الحافلات وحقيبة وزن 50 كغ لكل شخص.
ويشير طه أنه منذ نهاية 2024 وحتى شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 عاد أكثر من 174,000 لاجئ سوري من الأردن إلى سوريا، منهم حوالي 25000 لاجئ من مخيم الزعتري، ويبلغ العدد الإجمالي للاجئين السوريين في الأردن ما يقارب 430,000 لاجئ.
وفيما يتعلق بالمساعدة النقدية التي تقدمها مفوضية اللاجئين في سوريا للاجئين العائدين من دول الجوار مثل الأسر العائدين من الأردن والتي كانت تتلقى مساعدات نقدية شهرية من قبل المفوضية، ينوه طه بأن المبلغ حالياً يصل إلى 600 دولار لدعم إعادة الاندماج، ويُمنح للعائدين للإقامة الدائمة وليس للزيارات المؤقتة.
ويبقى تاريخ 8-12-2024 تاريخاً مفصلياً في وجدان كل سوري، فهو يوم الخلاص من الطغيان، لكن الطريق من مخيمات اللجوء إلى سوريا لا يزال مرصوفاً بالتحديات الاقتصادية والقانونية والخدمية، ويظل السوريون في الأردن ممتنين لبلدٍ شقيق شاطرهم الرغيف، بانتظار لحظة تكتمل فيها إن شاء الله أركان “العودة الكريمة”، ليعودوا إن شاء الله بناةً في أرض أنكهتها الحرب.